ابن عجيبة

99

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ؛ أنزل عليه جملة ، ومع ذلك كفروا وكذبوا به ، كما قال تعالى : أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ « 1 » ، فكذلك هؤلاء ، لو نزل جملة ، كما اقترحوا ، لكفروا وكذّبوا كما كذّب أولئك . وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ، فأخاه : مفعول أول لجعل ، و ( وزيرا ) : مفعول ثان ، أي : جعلنا معه أخاه مقويا ومعينا . والوزير : من يرجع إليه ويتحصّن برأيه ، من الوزر ، وهو الملجأ . والوزارة لا تنافى النبوة ؛ فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ، ويؤمرون أن يوازر بعضهم بعضا . ، أو : يكون وزيرا أول مرة ورسولا ثانيا . فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي : فرعون وقومه . والمراد بالآيات : التسع الظاهرة على يد موس عليه السّلام ، ولم يتصف القوم بالتكذيب عند إرسالها إليهم ضرورة ؛ لتأخير تكذيب الآيات عن إظهارها المتأخر عن إرسالها ، بل إنما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بيانا لعلة استحقاقهم ، لما حكى بعده من التدمير . أي : فذهبا إليهم فأرياهم آياتنا كلها ، فكذبوهما تكذيبا مستمرا ، فَدَمَّرْناهُمْ إثر ذلك تَدْمِيراً عجيبا هائلا ، لا يقادر قدره ، ولا يدرك كنهه . فاقتصر على حاشيتي القصة ؛ اكتفاء بما هو المقصود . انظر أبا السعود . الإشارة : أعباء الرسالة والولاية لا تحمل ولا تظهر إلا بمعين . قال تعالى : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى « 2 » ، ولا بد لصاحب الخصوصية من إخوان يستعين بهم على ذكر اللّه ، ويستظهر بهم على إظهار طريقة اللّه . فإن وجد ولىّ لا إخوان له ، ولا أولاد ، فلا يكون إلا غالبا عليه القبض ، مائلا لجهة الجذب ، فيقل الانتفاع به ، ولا تحصل التوسعة للولي إلا بكثرة الأصحاب والإخوان ، يعالجهم ويصبر على جفاهم ، حتى يتسع صدره وتتسع معرفته . وبالله التوفيق . ثم سلّى نبيه بما جرى على الأمم قبله ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 37 إلى 40 ] وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 37 ) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ( 38 ) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً ( 39 ) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً ( 40 )

--> ( 1 ) من الآية 48 من سورة القصص . ( 2 ) من الآية 2 من سورة المائدة .